الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
101
مختصر الامثل
وحيث إنّ الخاضعين للحق والمتذكرين قليلون ، لذا قال في ختام الآية : « قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ » . ومن هذه الآية يستفاد أنّ الإنسان يواجه طريقين ( أو خيارين ) إمّا القبول بولاية اللَّه وقيادته ، وإمّا الدخول تحت ولاية الآخرين ، فإذا سلك الطريق الأوّل كان اللَّه وليّه ، وأمّا إذا دخل تحت ولاية الآخرين فإنّ عليه - حينئذ - أن يخضع في كل يوم لواحد من الأرباب ، وأن يختار ربّاً جديداً . وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ( 4 ) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ( 5 ) هاتان الآيتان تشيران إلى العواقب المؤلمة التي تترتب على مخالفة الأوامر التي تمّ بيانها في الآيات السابقة ، كما أنّهما تعدّان فهرستاً إجمالياً عن قصص الأقوام المتعددة أمثال نوح ، وقوم فرعون ، وقوم عاد وثمود ، وقوم لوط التي ستأتي فيما بعد . إنّ القرآن الكريم يحذّر وينذر بشدة في هذه الآية كل أولئك الذين يتمرّدون على تعاليم الأنبياء ويقومون بزرع الفجور والفساد بدل إصلاح أنفسهم وإصلاح الآخرين ، بأن يتدبروا قليلًا في حياة الأقوام السالفة وينظروا كم من قرية عامرة أبادها اللَّه ، وأهلك سكّانها الفاسقين : « وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا » . ثم يبيّن كيفية هلاكهم بأنّ العذاب الأليم جاءهم في منتصف الليل وهم يقضون ساعات الراحة والسكون ، أو في وسط النهار وهم يمضون لحظات الاستراحة والإسترخاء بعد رحلة من العمل والنشاط اليومي الدّائب : « فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ » . ثم يواصل الحديث في الآية اللاحقة هكذا : « فَمَا كَانَ دَعْوَيهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ » . فعندما يتورّطون في البلاء ، وتتحطم حياتهم بعواصف الجزاء يتركون كبرياءهم ونخوتهم وينادون معترفين بظلمهم : إنّا كنا ظالمين . ولكن لا يجديها مثل هذا الاعتراف ، لأنّه نوع من الاعتراف الجبري والاضطراري الذي يضطرّ إليه حتى أشد الناس غروراً . إنّ هذه الآيات تحذيرات صاعقة لهذا العصر وما يليه من العصور ، لنا وللُامم والأقوام القادمة ، لأنّه لا معنى للتبعيض في السنّة الإلهية .